محمد حسين هيكل

36

حياة محمد ( ص )

يذكر بدقة غاية الدقة ما يتلقاه وما يتلوه بعد ذلك على أصحابه . هذا ، ثم إن نزول الوحي لم يكن يقترن حتما بالغيبوبة الجسمية مع تنبه الإدراك الروحي غاية التنبه ، بل كان كثيرا ما يحدث والنبيّ في تمام يقظته العادية ، وحسبنا أن نشير إلى ما أوردنا في هذا الكتاب عن نزول سورة الفتح عند قفول المسلمين من مكة إلى يثرب بعد عهد الحديبية . ينفي العلم إذا أن الصرع كان يعتري محمدا ؛ ولذلك لم يقل به إلا الأقلون من المستشرقين الذين افتروا على القرآن أنه حرف . وهم لم يقولوا به حرصا على حقيقة يتلمسونها ، وإنما قالوا به ظنّا منهم أنهم يحطّون من قدر النبي العربي في نظر طائفة من المسلمين . أم حسبوا أنهم يلقون بأقوالهم هذه ظلا من الريبة على الوحي الذي نزل عليه ، لأنه نزل عليه فيما يزعمون أثناء هذه النوبات ؟ إن يكن ذلك فهو الخطأ البين ، كما قدمنا ، وهو ما ينكره العلم عليهم أشد الإنكار . الرجوع إلى العلم ولو أن نزاهة القصد كانت رائد هؤلاء المستشرقين لما حمّلوا العلم ما ينكره . وهم إنما فعلوا ذلك ليخدعوا به أولئك الذين لا يهداهم علمهم إلى معرفة أعراض الصرع ، والذين تمسكهم طمأنينتهم الساذجة إلى أقوال هؤلاء المستشرقين عن سؤال أهل العلم من رجال الطب وعن الرجوع إلى كتبه . ولو أنهم فعلوا لما تعذر عليهم أن يكشفوا عن خطأ هؤلاء المستشرقين خطأ مقصودا أو غير مقصود ، ولتبينوا أن النشاط الروحي والعقليّ للإنسان يختفي تمام الاختفاء أثناء نوبات الصرع ، ويذر صاحبه في حالة آلية محضة يتحرّك مثل حركته قبل نوبته ، أو يثور إذا اشتدت به النوبة فيصيب غيره بالأذى ، وهو أثناء ذلك غائب عن صوابه ، لا يدرك ما يصدر عنه ولا ما يحلّ به ، شأنه شأن النائم الذي لا يشعر بحركاته أثناء نومه ؛ فإذا انقضى ما به لم يذكر منه شيئا . وشتان ما بين هذا وبين نشاط روحيّ قوي قاهر يصل صاحبه بالملأ الأعلى عن شعور تام وإدراك يقيني ، ليبلغ من بعد ما أوحي إليه . فالصرع يعطل الإدراك الإنساني وينزل بالإنسان إلى مرتبة آلية يفقد أثناءها الشعور والحس . أما الوحي فسموّ روحيّ اختص اللّه به أنبياءه ليلقي إليهم بحقائق الكون اليقينية العليا كي يبلغوها للناس . وقد يصل العلم إلى إدراك بعض الحقائق ومعرفة سننها وأسرارها بعد أجيال وقرون ، وقد يظل بعضها لا يتناوله العلم حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها ، وهي مع ذلك حقائق يقينية تهتدي قلوب المؤمنين الصادقين إلى حقيقتها ، على حين تظل قلوب عليها أقفالها جاهلة إياها لغافلتها عنها . قصور العلم أحيانا كنا نفهم أن يقول هؤلاء المستشرقون . إن الوحي ظاهرة نفسية شاذة في تقدير علمنا وما وصل إليه حتى اليوم ؛ فمن المتعذر إذا تفسيرها على طريقته . لكن هذا القول إنما يدل على أن علمنا - على ما انفسح مداه واتسع أفقه - لا يزال قاصرا عن تفسير كثير من الظاهرات الروحية والنفسية . ولا عيب على العلم في هذا ولا عجب منه ؛ فعلمنا ما يزال قاصرا عن تفسير بعض الظاهرات الكونية القريبة منا ، وطبيعة الشمس والقمر وغيرهما من الأفلاك والكواكب لا يزال أمر العلم فيها عند الفروض والاستنباطات ؛ وهذه الأفلاك جميعا بعض ما تشهده العين المجردة ، وما تكشف الآلات المقرّبة لنا عن كثير من خفاياها . وإلى قرن مضى كانت مخترعات كثيرة تعتبر بعض إبداع الخيال فلا سبيل إلى أن تتجسّد أمامنا ، وها هي ذي تجسدت وصرنا نحسبها من البسائط . والظاهرات الروحية والنفسية هي اليوم موضع ملاحظة العلماء ، لكنها لم تخضع بعد لسلطان العلم كي يستنبط قوانينها الثابتة . وكثيرا ما نقرأ عن أمور شهدها العلماء وأثبتوها ثم أثبتوا معها أنهم لا يجدون لها في